حسن النجار يكتب – حين يصبح الهواء امتحانًا… ويبقى الكادحون أبطال الحياة
الكاتب الصحفي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية
حسن النجار – يكتب
في أيامٍ يتحول فيها الهواء إلى أنفاسٍ ساخنة، وتغدو أشعة الشمس كأنها تلامس الوجوه بلهيبٍ لا يرحم، يطرح الإنسان سؤالًا بسيطًا في ألفاظه، عميقًا في معناه: كيف يتنفس الناس وسط هذا القيظ؟
ورغم قسوة درجات الحرارة، يظل الهواء يحمل في طياته نفحات الحياة، وتبقى السماء جميلة في صفائها، إلا أن شدة الحر تجعل الأنفاس ثقيلة، وكأن الإنسان يبحث عن نسمةٍ تعيد إلى صدره اتساعه، وإلى روحه طمأنينتها.
ومع اجتياح موجات الحر القاسية للمدن والقرى، لم يعد الصيف مجرد فصلٍ من فصول العام، بل أصبح اختبارًا يوميًا للصبر، والإرادة، والقدرة على مواصلة الحياة رغم قسوة الطبيعة.
وفي الوقت الذي يلجأ فيه كثيرون إلى الأماكن المكيفة والظلال الوارفة، يقف رجال ونساء في مواقع عملهم تحت أشعة الشمس، لا يملكون سوى عزيمتهم، وقطرات عرقهم، وإيمانهم بأن العمل الشريف رسالة قبل أن يكون مصدرًا للرزق.
هؤلاء هم الجنود المجهولون في معركة الحياة.
انظر إلى الفلاح وهو يشق الأرض بيديه، لا يلتفت إلى حرارة الظهيرة، بل يواصل زرع البذور، مؤمنًا بأن كل حبة قمح يزرعها اليوم ستصبح غدًا رغيفًا على موائد ملايين الأسر.
وانظر إلى عامل النظافة، الذي يبدأ يومه قبل أن تستيقظ المدينة، فيزيل عنها غبار الأمس، ويمنح شوارعها وجهًا أكثر إشراقًا، متحديًا حرارة الإسفلت ولهيب الشمس بابتسامة لا تفارق وجهه.
وعلى تقاطعات الطرق، يقف شرطي المرور لساعاتٍ طويلة، ينظم حركة الناس والمركبات، بينما تتساقط أشعة الشمس على كتفيه بلا هوادة، مؤديًا واجبه بكل إخلاص، ليبقى إيقاع الحياة منظمًا وآمنًا.
وفي أعماق الصحراء، حيث تمتزج حرارة الرمال بحرارة السماء، يواصل عمال البترول أداء مهامهم في ظروف شاقة، يسهرون على استخراج ثروات الوطن، ويواجهون الطبيعة بإرادة لا تعرف التراجع.
أما عمال المصانع، فيعيشون تحديًا مضاعفًا، إذ يجمعون بين حرارة الطقس وحرارة الآلات، ويواصلون الإنتاج بإصرار، ليظل نبض الصناعة مستمرًا، وتستمر عجلة التنمية في الدوران.
ولا يمكن أن نغفل الدور العظيم للسيدات المكافحات؛ من البائعات في الأسواق، اللاتي يتحدين حرارة الأرصفة، إلى الأمهات اللاتي يقفن أمام مواقد الطهي لساعات، يصنعن الطعام والحياة معًا، ويثبتن كل يوم أن القوة ليست في الجسد وحده، بل في القلب والإرادة.
إن هؤلاء جميعًا لا ينتظرون اعتدال الطقس حتى يبدأوا أعمالهم، ولا يؤجلون مسؤولياتهم حتى تنخفض درجات الحرارة، بل يصنعون من الصبر قوة، ومن التعب إنجازًا، ومن العرق وسامًا للشرف والكفاح.
وفي ظل هذه الأجواء الاستثنائية، يصبح من واجب الجميع تقدير هؤلاء، واحترام ما يقدمونه من تضحيات، والحرص على توفير بيئات عمل أكثر أمانًا، والالتزام بالإرشادات الصحية التي تحميهم من مخاطر الإجهاد الحراري، فهم يستحقون منا كل دعم وتقدير.
تحية تقدير لكل يدٍ تعبت من أجل أن تستمر الحياة، ولكل جبينٍ بلله العرق قبل أن تلامسه نسائم المساء.
سلامٌ على الفلاح، وعامل النظافة، وشرطي المرور، وعمال البترول، وعمال المصانع، وكل امرأةٍ ورجلٍ يخرجون كل صباح ليكتبوا بعرقهم قصة وطنٍ لا يتوقف عن العمل.
فلولا هؤلاء، لما استمرت عجلة الحياة، ولما بقي للأمل مكان، مهما أشرقت الشمس أو اشتدت حرارة الأيام.
تحياتي –
حسن النجار الكاتب الصحفي والمفكر السياسي ورئيس تحرير جريدة الوطن اليوم –








